فارس الفرسان
09 / 02 / 2008, 35 : 05 PM
http://up.salowkah.com/uploads/aab88d198f.jpg (http://up.salowkah.com/)
قال تعالى ( وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ ) (النحل:8)
وقال تعالى ( وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحاً * فَالْمُورِيَاتِ قَدْحاً * فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحاً * فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً * فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً ) (العاديات) و قال تعالى ( وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ ) (لأنفال:60)
وقال تعالى ( زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ ) (آل عمران:14)
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « الْخَيْلُ فِى نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ » وقال أيضاً : « الْبَرَكَةُ فِى نَوَاصِى الْخَيْلِ »
http://up.salowkah.com/uploads/7d6b3da5d9.jpg (http://up.salowkah.com/)
منذ بدأ التاريخ وحتى يومنا هذا كانت هذه الشراكه قائمة بين الإنسان والجواد ، ففي عصور لم تعرف الحضارة ولم تعرف وسائل النقل بدأت العلاقة الحميمة بين الخيل والخيال .. فبعد حاجة الإنسان للتنقل وقطع الأرض الشاسعة والطبيعة القاسية قدم هذا الحيوان وسد حاجة الإنسان للنقل حتى وقت قريب ..
فقد لعبت الخيل دوراً كبيراً لأجدادنا القدماء فمن لحمها الطعام ومن عظامها السلاح ومن جلودها الكساء ومن ركوبها النقل والحماية وآلة الحرب والتجارة وبقوتها الحرث والسقاء .. ولا يزال هذا دورها في بعض بلدان العالم ..
ومن باب العودة للماضي وذكر أيام من سبقنا وارتباط هذا الحيوان في البادية وطرق العيش فيها أحببت أن أسلط الأضواء على هذا الحيوان بتسلسل مقنع لحياته وعلاقته مع العرب والمسلمين وبالأخص في الجزيرة العربية .. حيث أرتبط أسم هذا الحيوان مع الشجاعة والرجولة في كافة البلدان التي انتشر فيها من العصور القديمة ..
http://up.salowkah.com/uploads/dccd0b91b8.jpg (http://up.salowkah.com/)
مكانة الخيل عند العرب ..
أهتم العرب بالخيل منذ القدم وكانت لهم رمزاً للفخر والقوة .. فقد تباهى العرب بالخيل وقوتها وسرعتها .. وكانوا يقيمون السباقات بينهم للمفاخرة وعرض القوة .. فكانت تقوم الحروب عليها أو بسببها مثل حرب داحس والغبراء والتي سيأتي ذكرها بعد قليل .. فقد تباها كثير من الشعراء بخيلهم أمثال امرئ القيس حين وصف فرسه :
مكر مفر مقبل مدبر معاك
جلمود صخر حطه السيل من عل
وقد وصف ساعدة بن جؤيه خيله قائلاً :
فناشوا بارسان الجياد قربوا
عناجيجهم مجنوبة بالرواجل
وكل شموس العدو ضاف سبيبها
ومنجرد كالسيد نهد المراكل
تمر على الساقين وحفا كأنه
دنا حفا مرت به الريح مائل
http://up.salowkah.com/uploads/6c7513f792.jpg (http://up.salowkah.com/)
وكان الشعراء يتباهون بالخيل وقد نظموا القصائد التي قيلت بها كمصدر من مصادر القوة لديهم .. كقول المتنبي :
الخيل والليل والبيداء تعرفني
والسيف والرمح والقرطاس والقلم
وقد وصف الشاعر أبو ذؤيب الهذلي الخيل بقوله :
تغدو به خوصاء يفصم جريها
حلق الرحالة فهي رخوتمزع
قصر الصبوح لها فشرج لحمها
بالتي فهي تثوخ فيها الاصبع
متفلق انساؤها عن قانىء
كالقرط صاو غبره لا يرضع
تأبى بدرتها اذا ما استغضبت
الا الحميم فإنه يتبضعوقال أيضاً :
فتنازلا وتواقفت خيلاهما
وكلاهما بطل اللقاء مخدع
http://up.salowkah.com/uploads/0c8d5cd9f7.jpg (http://up.salowkah.com/)
وقال شاعر :
نادي الصريخ فردوا الخيل عانية
تشكو الكلال وتشكو من أذى الخال
فكانت العرب تقول من خال هذا الفرس أي من صاحبها ومنه قول الشاعر :
يصب لها نطاف القوم سرا
ويشهد خالها أمر الزعيم
وللإبل نصيبها حين أنشد الأزهري قائلاً :
ألا لا تبالي الإبل من كان خالها
إذا شبعت من قرمل واثال
وفي ساحات الحرب كان شاهد الشجاعة ( الخيل ) موجود دائماً .. فقد أنشد عنترة بن شداد قائلاً :
هلا سألت الخيل يا ابنة مالك
إن كنت جاهلة بمــا لم تعلمي
يخبرك من شهد الوقيعة أنني
أغشى الوغى وأعف عند المغنمي
ولقد ذكرتك والرماح نواهل
مني وبيض الهند تقطر من دمي
فوددت تقبيل السيوف لأنها
لمعت كبــارق ثغرك المتبسم
ومدجج كره الكماة نزاله
لا ممعن هربــا ولا مستسلم
جادت له كفي بعاجل طعنة
بمثقف صدق الكعوب مقــوم
فشككت بالرمح الأصم ثيابه
ليس الكريم على القنـا بمحرم
لما رآني قد نزلت أريده
أبدى نواجذه لغيـــر تبسم
فطعنته بالرمح ثم علوته
بمهند صــافي الحديد مخذم
في حومة الحرب التي لا تشتكي
غمراتهـا الأبطال غير تغمغم
ولقد هممت بغارة في ليلة
سوداء حــالكة كلون الأدلم
لما رأيت القوم أقبل جمعهم
يتذامرون كررت غير مذمـم
يدعون عنتر والرماح كأنها
أشطان بئر في لبان الأدهـم
ما زلت أرميهم بثغرة نحره
ولبانــه حتى تسربل بالدم
فازور من وقع القنا بلبانه
وشكى إلى بعبرة وتحمحـم
لو كان يدري ما المحاورة اشتكى
ولكان لو علم الكلام مكلمي
ولقد شفى نفسي و أبرا سقمها
قيل الفوارس ويك عنتر أقدمي
والخيل تقتحم الغبار عوابسا
ما بين شيظمة وأجرد شيظم
http://up.salowkah.com/uploads/15880a2f3f.jpg (http://up.salowkah.com/)
وقد أهتم أهل البادية بالخيل فتجد الاهتمام الواضح من البدوي بطريقة تربية حصانه ومشاركته طعامه وشرابه وسكنه فقد آثر البدوي هذا الحيوان على نفسه وماله وولده فتجده يشاركه حليب الناقة والتمر حينما لا يجد العشب ويشاركه الماء مع ندرته وشحه في الصحراء .. وكان يشاركه المبيت في خيمته في البرد ..
فقد خلدوا العرب الخيل ورفعوا مكانته عندهم حيث يقول إسماعيل بن عجلان في مكانة الخيل :
و لا مال الا الخيل عندي أعده
و إن كنت من حمر الدنانير موسرا
اقاسمها مالي و اطعم فضلها
عيالي وارجو ان اهان و اجرا
اذا لم يكن عندي جواد رأيتني
ولو كان عندي كنز قارون معسرا
وقال مالك بن نويرة أخو بنى يربوع :
إذا ضيع الأنذال فى المحلل خيلهم
فلم يركبوا حتى تهيج المصائف
كفانى دوائى ذا الخمار وصنعتى
على حين لا يقوى على الخيل عالف
أعلل أهلى عن قليل متاعهم
وأسقية محض الشول والحى هاتف
http://up.salowkah.com/uploads/16cdb222aa.jpg (http://up.salowkah.com/)
وقال أحد بنى عامر :
بنى عامر مالى أرى الخيل أصبحت
بطانا وبعض الضمر للخيل أفضل
أهينوا لها ماتكرمون وباشروا
صيانتها والصون للخيل أجمل
متى تكرموها يكرم المرء نفسه
وكل امرئ من قومه حيث ينزل
بنى عامر إن الخيول وقاية
لانفسكم والموت وقت مؤجل
وهنا عنترة بن شداد يصف حبه لحصانه وكيف كان يذود عنه أثناء القتال
http://up.salowkah.com/uploads/7f83da150b.jpg (http://up.salowkah.com/)
وقد استخدم العرب قديما الخيول للصيد وبرعوا في صيد الحيوانات البرية على ظهور جيادهم ، وهنا يقول امرئ القيس في معلقته واصفاً إحدى رحلاته للصيد على جواده :
وقد أعتدى و الطير في وكناتها
بمجرد قيد الأوبدا هيكل
الحروب بسبب الخيل عند العرب ..
ومن قصص الحروب التي نتذكرها حرب داحس والغبراء التي نشبت بين قبيلتي عبس وذبيان أبنى بغيض بن ريث بن غطفان التي امتدت لسنوات طويلة وصلت إلى أربعين عاماً والتي أزهقت كثير من أرواح أبناء العمومه وكان سببها خلافا حول سباق جرى بين حصان فحلاً يدعى داحس لقيس بن زهير العبسي وفرس ( أنثى ) تدعى الغبراء لحمل بن بدر الذبياني ، فقد أتفق الطرفان على رهان لعدد من الإبل للفائز وبعد تجهيز السباق قام حمل بن بدر الذبياني بعمل كمين بمساعدة عدد من الفتيان أبناء عمومته في وجه الحصان داحس حتى يجفل وينحرف عن طريق وينهي السباق لصالحه ، وبالفعل حصل ما يخشاه حمل بن بدر فعند بداية السباق تقدم داحس على الغبراء وكان الفرق شاسع بين الخيل وعند الكمين خرج فجأة الفتيان من المخبأ وحصل ما تمناه حمل حيث فجفل الحصان داحس ووقع وأوقع فارسه ، وبهذا فسح المجال للغبراء للفوز ، ثم نهض فارس داحس وامتطى صهوة جواده ثانية وانطلق كالصاعقة إثر الغبراء وكاد أن يظفر بها لولا قصر المسافة المتبقية لخط النهاية ، فازت الغبراء وطالب صاحبها حمل بالرهان وكاد أن يحصل عليه لولا أن المؤامرة انكشفت وبان زيف السباق بعد أن ندم الفتيان على فعلتهم الشنعاء واعترفوا بتنفيذ المؤامرة ، وقد حكم المحكمون بالفوز لداحس وطالبوا حمل بن بدر وأخاه حذيفة بن بدر بإعطاء الرهان إلى قيس بن زهير العبسى فرضخا للأمر وسلما الرهان وفى ذلك قال قيس:
وما لاقيت من حمل بن بدر
واخوته على ذات الأصاد
هم فخروا على بغير فخر
وردوا دون غايتهم جوادى
عنف كثير من أصدقاء السوء حذيفة ولاموه على تسليمه بالأمر الواقع وإعطائه الرهان لقيس وقرعوه على ضعفه تجاهه وأوغروا صدره على قيس مما جعله يرسل إلى قيس يطالبه بإرجاع الرهان ولم يكن من المنتظر أن ينال هذا الطلب غير الرفض ، وقد طال الجدل بينهما بدون جدوى ، وتطور النقاش إلى تراشق بالكلمات البذيئة كان بن حذيفة قد تمادى في التطاول على قيس بالشتائم فما كان من قيس إلا أن طعنه برمح بالقرب منه وأرداه قتيلاً وكادت الحرب أن تقع لكن تدخل العقلاء ورسل الخير من الطرفين قد تدخلوا وأنهوا النزاع بفرض دية المقتول على قيس الذي وافق على تقديمها دفعاً للشر وتجنباً لوقوع مالا تحمد عقباه بين العشيرتين الشقيقتين ، فبعد بضعة أيام من مقتل ابن حذيفة حرض حذيفة بعض رجال قبيلته على اغتيال مالك بن زهير شقيق قيس وقد تم تنفيذ هذا الاغتيال ، وجرت محاولات لإصلاح ذات البين ، وقد امتنع رؤساء عشائر عن المصالحة إلا أن قيس بن زهير كان أكثر تسامحاً من زملائه رؤساء العشائر وقبل الدية عن مقتل أخيه مالك ووافق رؤساء العشائر على مضض ، إلا ن حذيفة رفض إعطاء الدية رغم تسامح قيس الذي كان يروم إرجاع المياه إلى مجاريها بين أولاد العم ، فحلت الكارثة وقامت الحرب فقال عنترة العبسي في مقتل مالك:
فلله عيناً من رأى مثل مالك
عقيرة قوم إن جرى فرسان
فليتهما لم يجريا قيد غلــوة
وليتهما لم يرسلا لرهــان
http://up.salowkah.com/uploads/9bbb563a46.jpg (http://up.salowkah.com/)
أما في الشعر الشعبي فقد أنشد الشاعر والفارس المعروف ساجر الرفدي مفتخراً بجواده العربي الأصيل ..
وامهرتي وانا عليها شفاوي
ان قيل ياهل الخيل تطري عليه
ماني معودها لكسب الشواوي
ولا رددت فرق البقر بالزويه
ابرها لمكثرين العزاوي
والحق عليها كل راعي رديه
يوم الملاقا يعترض بالاهاوي
اليا تنادوا بينهم بالحميه
وانا على جدع المدرع رهاوي
وياما جدعت الشيخ والا حليه
وياما تحملنا كبار البلاوي
وننطح وجيه اهل العزوم القويه
وانا لعصمان الشوارب فداوي
وحمايه الساقات في كل هيه
وليا اجتمع حس الغنا والنعاوي
وياطراد هاك اليوم عيدن عليه
مشاهير الخيل عند العرب ..
ومن مشاهير الخيل عند العرب ما ذكره ابن عبد ربه :
1 - الوجيه ولاحق .. لبني أسد .
2 - الصريح .. لبني نهشل .
3 - ذو العقال .. لبني رباح .
4 - النعامة .. فرس للحارث بن عباد الربعي .
5 - الأبجر .. لعنترة العبسي وهو ابن النعامة .
6 - داحس .. فحل لقيس بن زهير .
7 - الغبراء .. أنثى لحمل وحذيفة بن بدر .
http://up.salowkah.com/uploads/d6385da97a.jpg (http://up.salowkah.com/)
مكانة الخيل عند المسلمين ..
عرف عرب الجاهلية الخيل واعتنوا بها وأحبوها وحافظوا على أنسابها و أنسالها وأحلوها في نفوسهم مكانة لم يحتلها حيوان آخر، وكانت الصلة بينها وبينهما مصيرية ومما يؤكد هذه الصلة والمكانة أنهم جعلوا الخيل نداً للوليد والشاعر و كانوا يحتفلون بولادة الثلاثة حتى قيل عنهم انهم ( كانوا لا يهنئون إلا بغلام يولد أو شاعر ينبع أو فرس ينبج ) وكانوا يؤثرون الخيل على أنفسهم وأهلهم .. وبعد أن جاء الإسلام علت مكانة الحصان عند العرب والمسلمين وعزة مكانته .. حيث حث الإسلام على امتلاك الخيل وإرسالها في سبيل الله .. فقد كان للخيل الأثر الواضح في الفتوحات الإسلامية لأنها تلعب الدور البارز والأساسي في المعارك والحروب ..
قال تعالى ( وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحاً ) فقد أقسم الله تعالى بخيل الغزاة في سبيل الله تعالى ، تنبيهاً على فضلها وفضل رباطها ، ولما فيها من المنافع الدينية والدنيوية والأجر والغنيمة ، وقال ( فَالْمُورِيَاتِ قَدْحاً ) أي فالخيل التي توري النار من صك حوافرها بالحجارة لشدة العدو نحو العدو ، وقال ( فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحاً) أي فالخيل التي تغير على العدو وقت الصباح ( فَأَثَرْنَ بِهِ ) أي فهيجن في ذلك الوقت الذي تقع فيه الإغارة ( نَقْعاً ) أي غباراً من شدة العدو (فَوَسَطْنَ بِهِ) فتوسطن في ذلك الوقت ( جَمْعاً ) من جموع الأعداء .
وأيضاً أوصانا الله تعالى في سورة الأنفال ( وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ ) أن نعد العدة لقتال أعدائنا الكفار بكل ما يمكننا عليهم في الحرب ومن ربط الخيل للغزو .
أما في الحديث فقد حث رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم المسلمين على اقتناء الخيل والمحافظة عليها في العديد من الأحاديث الشريفة نذكر منها: ( الخيل معقود في نواصيها الخير ) ، وأيضاً كما نعلم بأن البراق الذي عرج به سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم إلى السماء كان على هيئة حصان .
يتبع...
قال تعالى ( وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ ) (النحل:8)
وقال تعالى ( وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحاً * فَالْمُورِيَاتِ قَدْحاً * فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحاً * فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً * فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً ) (العاديات) و قال تعالى ( وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ ) (لأنفال:60)
وقال تعالى ( زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ ) (آل عمران:14)
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « الْخَيْلُ فِى نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ » وقال أيضاً : « الْبَرَكَةُ فِى نَوَاصِى الْخَيْلِ »
http://up.salowkah.com/uploads/7d6b3da5d9.jpg (http://up.salowkah.com/)
منذ بدأ التاريخ وحتى يومنا هذا كانت هذه الشراكه قائمة بين الإنسان والجواد ، ففي عصور لم تعرف الحضارة ولم تعرف وسائل النقل بدأت العلاقة الحميمة بين الخيل والخيال .. فبعد حاجة الإنسان للتنقل وقطع الأرض الشاسعة والطبيعة القاسية قدم هذا الحيوان وسد حاجة الإنسان للنقل حتى وقت قريب ..
فقد لعبت الخيل دوراً كبيراً لأجدادنا القدماء فمن لحمها الطعام ومن عظامها السلاح ومن جلودها الكساء ومن ركوبها النقل والحماية وآلة الحرب والتجارة وبقوتها الحرث والسقاء .. ولا يزال هذا دورها في بعض بلدان العالم ..
ومن باب العودة للماضي وذكر أيام من سبقنا وارتباط هذا الحيوان في البادية وطرق العيش فيها أحببت أن أسلط الأضواء على هذا الحيوان بتسلسل مقنع لحياته وعلاقته مع العرب والمسلمين وبالأخص في الجزيرة العربية .. حيث أرتبط أسم هذا الحيوان مع الشجاعة والرجولة في كافة البلدان التي انتشر فيها من العصور القديمة ..
http://up.salowkah.com/uploads/dccd0b91b8.jpg (http://up.salowkah.com/)
مكانة الخيل عند العرب ..
أهتم العرب بالخيل منذ القدم وكانت لهم رمزاً للفخر والقوة .. فقد تباهى العرب بالخيل وقوتها وسرعتها .. وكانوا يقيمون السباقات بينهم للمفاخرة وعرض القوة .. فكانت تقوم الحروب عليها أو بسببها مثل حرب داحس والغبراء والتي سيأتي ذكرها بعد قليل .. فقد تباها كثير من الشعراء بخيلهم أمثال امرئ القيس حين وصف فرسه :
مكر مفر مقبل مدبر معاك
جلمود صخر حطه السيل من عل
وقد وصف ساعدة بن جؤيه خيله قائلاً :
فناشوا بارسان الجياد قربوا
عناجيجهم مجنوبة بالرواجل
وكل شموس العدو ضاف سبيبها
ومنجرد كالسيد نهد المراكل
تمر على الساقين وحفا كأنه
دنا حفا مرت به الريح مائل
http://up.salowkah.com/uploads/6c7513f792.jpg (http://up.salowkah.com/)
وكان الشعراء يتباهون بالخيل وقد نظموا القصائد التي قيلت بها كمصدر من مصادر القوة لديهم .. كقول المتنبي :
الخيل والليل والبيداء تعرفني
والسيف والرمح والقرطاس والقلم
وقد وصف الشاعر أبو ذؤيب الهذلي الخيل بقوله :
تغدو به خوصاء يفصم جريها
حلق الرحالة فهي رخوتمزع
قصر الصبوح لها فشرج لحمها
بالتي فهي تثوخ فيها الاصبع
متفلق انساؤها عن قانىء
كالقرط صاو غبره لا يرضع
تأبى بدرتها اذا ما استغضبت
الا الحميم فإنه يتبضعوقال أيضاً :
فتنازلا وتواقفت خيلاهما
وكلاهما بطل اللقاء مخدع
http://up.salowkah.com/uploads/0c8d5cd9f7.jpg (http://up.salowkah.com/)
وقال شاعر :
نادي الصريخ فردوا الخيل عانية
تشكو الكلال وتشكو من أذى الخال
فكانت العرب تقول من خال هذا الفرس أي من صاحبها ومنه قول الشاعر :
يصب لها نطاف القوم سرا
ويشهد خالها أمر الزعيم
وللإبل نصيبها حين أنشد الأزهري قائلاً :
ألا لا تبالي الإبل من كان خالها
إذا شبعت من قرمل واثال
وفي ساحات الحرب كان شاهد الشجاعة ( الخيل ) موجود دائماً .. فقد أنشد عنترة بن شداد قائلاً :
هلا سألت الخيل يا ابنة مالك
إن كنت جاهلة بمــا لم تعلمي
يخبرك من شهد الوقيعة أنني
أغشى الوغى وأعف عند المغنمي
ولقد ذكرتك والرماح نواهل
مني وبيض الهند تقطر من دمي
فوددت تقبيل السيوف لأنها
لمعت كبــارق ثغرك المتبسم
ومدجج كره الكماة نزاله
لا ممعن هربــا ولا مستسلم
جادت له كفي بعاجل طعنة
بمثقف صدق الكعوب مقــوم
فشككت بالرمح الأصم ثيابه
ليس الكريم على القنـا بمحرم
لما رآني قد نزلت أريده
أبدى نواجذه لغيـــر تبسم
فطعنته بالرمح ثم علوته
بمهند صــافي الحديد مخذم
في حومة الحرب التي لا تشتكي
غمراتهـا الأبطال غير تغمغم
ولقد هممت بغارة في ليلة
سوداء حــالكة كلون الأدلم
لما رأيت القوم أقبل جمعهم
يتذامرون كررت غير مذمـم
يدعون عنتر والرماح كأنها
أشطان بئر في لبان الأدهـم
ما زلت أرميهم بثغرة نحره
ولبانــه حتى تسربل بالدم
فازور من وقع القنا بلبانه
وشكى إلى بعبرة وتحمحـم
لو كان يدري ما المحاورة اشتكى
ولكان لو علم الكلام مكلمي
ولقد شفى نفسي و أبرا سقمها
قيل الفوارس ويك عنتر أقدمي
والخيل تقتحم الغبار عوابسا
ما بين شيظمة وأجرد شيظم
http://up.salowkah.com/uploads/15880a2f3f.jpg (http://up.salowkah.com/)
وقد أهتم أهل البادية بالخيل فتجد الاهتمام الواضح من البدوي بطريقة تربية حصانه ومشاركته طعامه وشرابه وسكنه فقد آثر البدوي هذا الحيوان على نفسه وماله وولده فتجده يشاركه حليب الناقة والتمر حينما لا يجد العشب ويشاركه الماء مع ندرته وشحه في الصحراء .. وكان يشاركه المبيت في خيمته في البرد ..
فقد خلدوا العرب الخيل ورفعوا مكانته عندهم حيث يقول إسماعيل بن عجلان في مكانة الخيل :
و لا مال الا الخيل عندي أعده
و إن كنت من حمر الدنانير موسرا
اقاسمها مالي و اطعم فضلها
عيالي وارجو ان اهان و اجرا
اذا لم يكن عندي جواد رأيتني
ولو كان عندي كنز قارون معسرا
وقال مالك بن نويرة أخو بنى يربوع :
إذا ضيع الأنذال فى المحلل خيلهم
فلم يركبوا حتى تهيج المصائف
كفانى دوائى ذا الخمار وصنعتى
على حين لا يقوى على الخيل عالف
أعلل أهلى عن قليل متاعهم
وأسقية محض الشول والحى هاتف
http://up.salowkah.com/uploads/16cdb222aa.jpg (http://up.salowkah.com/)
وقال أحد بنى عامر :
بنى عامر مالى أرى الخيل أصبحت
بطانا وبعض الضمر للخيل أفضل
أهينوا لها ماتكرمون وباشروا
صيانتها والصون للخيل أجمل
متى تكرموها يكرم المرء نفسه
وكل امرئ من قومه حيث ينزل
بنى عامر إن الخيول وقاية
لانفسكم والموت وقت مؤجل
وهنا عنترة بن شداد يصف حبه لحصانه وكيف كان يذود عنه أثناء القتال
http://up.salowkah.com/uploads/7f83da150b.jpg (http://up.salowkah.com/)
وقد استخدم العرب قديما الخيول للصيد وبرعوا في صيد الحيوانات البرية على ظهور جيادهم ، وهنا يقول امرئ القيس في معلقته واصفاً إحدى رحلاته للصيد على جواده :
وقد أعتدى و الطير في وكناتها
بمجرد قيد الأوبدا هيكل
الحروب بسبب الخيل عند العرب ..
ومن قصص الحروب التي نتذكرها حرب داحس والغبراء التي نشبت بين قبيلتي عبس وذبيان أبنى بغيض بن ريث بن غطفان التي امتدت لسنوات طويلة وصلت إلى أربعين عاماً والتي أزهقت كثير من أرواح أبناء العمومه وكان سببها خلافا حول سباق جرى بين حصان فحلاً يدعى داحس لقيس بن زهير العبسي وفرس ( أنثى ) تدعى الغبراء لحمل بن بدر الذبياني ، فقد أتفق الطرفان على رهان لعدد من الإبل للفائز وبعد تجهيز السباق قام حمل بن بدر الذبياني بعمل كمين بمساعدة عدد من الفتيان أبناء عمومته في وجه الحصان داحس حتى يجفل وينحرف عن طريق وينهي السباق لصالحه ، وبالفعل حصل ما يخشاه حمل بن بدر فعند بداية السباق تقدم داحس على الغبراء وكان الفرق شاسع بين الخيل وعند الكمين خرج فجأة الفتيان من المخبأ وحصل ما تمناه حمل حيث فجفل الحصان داحس ووقع وأوقع فارسه ، وبهذا فسح المجال للغبراء للفوز ، ثم نهض فارس داحس وامتطى صهوة جواده ثانية وانطلق كالصاعقة إثر الغبراء وكاد أن يظفر بها لولا قصر المسافة المتبقية لخط النهاية ، فازت الغبراء وطالب صاحبها حمل بالرهان وكاد أن يحصل عليه لولا أن المؤامرة انكشفت وبان زيف السباق بعد أن ندم الفتيان على فعلتهم الشنعاء واعترفوا بتنفيذ المؤامرة ، وقد حكم المحكمون بالفوز لداحس وطالبوا حمل بن بدر وأخاه حذيفة بن بدر بإعطاء الرهان إلى قيس بن زهير العبسى فرضخا للأمر وسلما الرهان وفى ذلك قال قيس:
وما لاقيت من حمل بن بدر
واخوته على ذات الأصاد
هم فخروا على بغير فخر
وردوا دون غايتهم جوادى
عنف كثير من أصدقاء السوء حذيفة ولاموه على تسليمه بالأمر الواقع وإعطائه الرهان لقيس وقرعوه على ضعفه تجاهه وأوغروا صدره على قيس مما جعله يرسل إلى قيس يطالبه بإرجاع الرهان ولم يكن من المنتظر أن ينال هذا الطلب غير الرفض ، وقد طال الجدل بينهما بدون جدوى ، وتطور النقاش إلى تراشق بالكلمات البذيئة كان بن حذيفة قد تمادى في التطاول على قيس بالشتائم فما كان من قيس إلا أن طعنه برمح بالقرب منه وأرداه قتيلاً وكادت الحرب أن تقع لكن تدخل العقلاء ورسل الخير من الطرفين قد تدخلوا وأنهوا النزاع بفرض دية المقتول على قيس الذي وافق على تقديمها دفعاً للشر وتجنباً لوقوع مالا تحمد عقباه بين العشيرتين الشقيقتين ، فبعد بضعة أيام من مقتل ابن حذيفة حرض حذيفة بعض رجال قبيلته على اغتيال مالك بن زهير شقيق قيس وقد تم تنفيذ هذا الاغتيال ، وجرت محاولات لإصلاح ذات البين ، وقد امتنع رؤساء عشائر عن المصالحة إلا أن قيس بن زهير كان أكثر تسامحاً من زملائه رؤساء العشائر وقبل الدية عن مقتل أخيه مالك ووافق رؤساء العشائر على مضض ، إلا ن حذيفة رفض إعطاء الدية رغم تسامح قيس الذي كان يروم إرجاع المياه إلى مجاريها بين أولاد العم ، فحلت الكارثة وقامت الحرب فقال عنترة العبسي في مقتل مالك:
فلله عيناً من رأى مثل مالك
عقيرة قوم إن جرى فرسان
فليتهما لم يجريا قيد غلــوة
وليتهما لم يرسلا لرهــان
http://up.salowkah.com/uploads/9bbb563a46.jpg (http://up.salowkah.com/)
أما في الشعر الشعبي فقد أنشد الشاعر والفارس المعروف ساجر الرفدي مفتخراً بجواده العربي الأصيل ..
وامهرتي وانا عليها شفاوي
ان قيل ياهل الخيل تطري عليه
ماني معودها لكسب الشواوي
ولا رددت فرق البقر بالزويه
ابرها لمكثرين العزاوي
والحق عليها كل راعي رديه
يوم الملاقا يعترض بالاهاوي
اليا تنادوا بينهم بالحميه
وانا على جدع المدرع رهاوي
وياما جدعت الشيخ والا حليه
وياما تحملنا كبار البلاوي
وننطح وجيه اهل العزوم القويه
وانا لعصمان الشوارب فداوي
وحمايه الساقات في كل هيه
وليا اجتمع حس الغنا والنعاوي
وياطراد هاك اليوم عيدن عليه
مشاهير الخيل عند العرب ..
ومن مشاهير الخيل عند العرب ما ذكره ابن عبد ربه :
1 - الوجيه ولاحق .. لبني أسد .
2 - الصريح .. لبني نهشل .
3 - ذو العقال .. لبني رباح .
4 - النعامة .. فرس للحارث بن عباد الربعي .
5 - الأبجر .. لعنترة العبسي وهو ابن النعامة .
6 - داحس .. فحل لقيس بن زهير .
7 - الغبراء .. أنثى لحمل وحذيفة بن بدر .
http://up.salowkah.com/uploads/d6385da97a.jpg (http://up.salowkah.com/)
مكانة الخيل عند المسلمين ..
عرف عرب الجاهلية الخيل واعتنوا بها وأحبوها وحافظوا على أنسابها و أنسالها وأحلوها في نفوسهم مكانة لم يحتلها حيوان آخر، وكانت الصلة بينها وبينهما مصيرية ومما يؤكد هذه الصلة والمكانة أنهم جعلوا الخيل نداً للوليد والشاعر و كانوا يحتفلون بولادة الثلاثة حتى قيل عنهم انهم ( كانوا لا يهنئون إلا بغلام يولد أو شاعر ينبع أو فرس ينبج ) وكانوا يؤثرون الخيل على أنفسهم وأهلهم .. وبعد أن جاء الإسلام علت مكانة الحصان عند العرب والمسلمين وعزة مكانته .. حيث حث الإسلام على امتلاك الخيل وإرسالها في سبيل الله .. فقد كان للخيل الأثر الواضح في الفتوحات الإسلامية لأنها تلعب الدور البارز والأساسي في المعارك والحروب ..
قال تعالى ( وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحاً ) فقد أقسم الله تعالى بخيل الغزاة في سبيل الله تعالى ، تنبيهاً على فضلها وفضل رباطها ، ولما فيها من المنافع الدينية والدنيوية والأجر والغنيمة ، وقال ( فَالْمُورِيَاتِ قَدْحاً ) أي فالخيل التي توري النار من صك حوافرها بالحجارة لشدة العدو نحو العدو ، وقال ( فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحاً) أي فالخيل التي تغير على العدو وقت الصباح ( فَأَثَرْنَ بِهِ ) أي فهيجن في ذلك الوقت الذي تقع فيه الإغارة ( نَقْعاً ) أي غباراً من شدة العدو (فَوَسَطْنَ بِهِ) فتوسطن في ذلك الوقت ( جَمْعاً ) من جموع الأعداء .
وأيضاً أوصانا الله تعالى في سورة الأنفال ( وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ ) أن نعد العدة لقتال أعدائنا الكفار بكل ما يمكننا عليهم في الحرب ومن ربط الخيل للغزو .
أما في الحديث فقد حث رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم المسلمين على اقتناء الخيل والمحافظة عليها في العديد من الأحاديث الشريفة نذكر منها: ( الخيل معقود في نواصيها الخير ) ، وأيضاً كما نعلم بأن البراق الذي عرج به سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم إلى السماء كان على هيئة حصان .
يتبع...